أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
103
شرح مقامات الحريري
المقامة الثامنة والثلاثون وهي المرويّة حكى الحارث بن همّام قال : حبّب إليّ مذ سعت قدمي ، ونفث قلمي ، أن أتّخذ الأدب شرعة ، والاقتباس منه نجعة ؛ فكنت أنقّب عن أخباره ، وخزنة أسراره ؛ فإذا ألفت منهم بغية الملتمس ، وجذوة المقتبس ، سددت يدي بغرزه ، واستنزلت منه زكاة كنزه ؛ على أنّي لم ألق كالسّروجيّ في غزارة السّحب ، ووضع الهناء مواضع النّقب ؛ إلّا أنّه كان أسير من المثل ، وأسرع من القمر في النّقل ، وكنت لهوى ملاقاته ، واستحسان مقاماته ، أرغب في الاغتراب ، وأستعذب السّفر الّذي هو قطعة من العذاب . * * * قوله : نفث ، أي كتب ، والنّفث ما تلقيه من فيك من البصاق الغليظ ، فشبّه ما يلقيه القلم من المداد بالنّفث ، هذا ظاهر اللفظ ، وإنما أراد في المعنى بالقلم ذكره ، ونفثه منيّه ، فكنى عن البلوغ بذلك ، فهو يريد وقت الحلم ، وهو الوقت يقوى فيه على المشي في الأسفار ، والتصرف ؛ كذا فسره لنا بعض حذّاق أشياخنا ، وفسرّه الفنجديهي على ظاهره ، فقال : معنى مذ سعت قدمي نفث قلمي ، مذ قدرت على المشي والكتابة والنظم والنثر . شرعة : طريقة وشريعة وعادة ، ومعناه : أصرف همتي إلى علم اللغة والعربية . قال الشافعي رضي اللّه عنه : من تعلّم القرآن عظمت قيمته ، ومن نظر في الفقه نبل مقداره ، ومن تعلّم اللغة رقّ طبعه ، ومن تعلّم الحساب جزل رأيه ، ومن كتب الحديث قويت حجته ومن لم يصن نفسه ، لم ينفعه عمله . الاقتباس : الاكتساب وهو افتعال ، من القبس . نجعة : طلب المرعى ، أي جعلت طلب الأدب لي غذاء ورزقا . أنقّب : أبحث . أحباره : علمائه . ألفيت : وجدت . بغية : حاجة . الملتمس : الطالب للشيء . جذوة : جمرة عظيمة . والمقتبس : الطالب للنار ، والغرز : للرجل ، كالرّكاب للسرج ، ومعنى شددت بغرزه ، أي تمسكت بركابه وبالغت في خدمته ، روى ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « من أخذ بركاب رجل لا يرجوه ولا يخافه غفر له » .